لا أذكر كم مرة كتبت هذا المنشور، كل مرة بشكل مختلف وفي كل مرة أحذف ما كتبت. بل كدت التوقف عن كتابته كلّيا لولا شعوري بأن كل هذه المحاولات لابد أن تخرج بشيء ما. كنت أتساءل، كيف يمكن لأحد أن يكتب عن الموسيقى؟ هل من الممكن ذلك حقاً؟ الحقيقة أني لا أعلم، لكني أحاول على الرغم من أنني لم أكتب من قبل عن تجربتي مع العزف. ولا أعلم لمَ. الأمر بالنسبة لي وكأنني أترجم لغةً إلى لغةٍ أخرى، أو ربما لأني نادراً ما أشارك لحظات سعادتي مع أحد، وكأنني أخاف عليها من السرقة والتشويه.

لا أصدق بأن تسع سنواتٍ مرّت. أذكر الليلة التي سجلت فيها لتعلّم العزف على آلة القانون بكل تفاصيلها. كانت ليلة عادية جداً لولا الصدفة البحتة. كان ذلك في شتاء 2013. كنت أمر من مبنى أكاديمية الموسيقى، ولم أكن قد سمعت عنها من قبل. أذكر بأني دخلت المبنى من باب الفضول فقط، لأجد التسجيل متاح لمن يرغب في ذلك. لم أفكر حينها، قرأت المطلوب وسجلت من باب الدعابة. كنت أقول في نفسي “كيف لي أن أتعلّم العزف وأنا في السابعة والعشرين؟”. مازلت أذكر موظفة الاستقبال ليلتها، سألتني عن الآلة التي أرغب بتعلّمها، أجبت بدون تردد: القانون. ردّت بأن القائمة طويلة، وبأنني سأكون ضمن قائمة الانتظار. “وما عليّ أن أنتظر، فلينضم هذا الحلم إلى قائمة الأحلام المؤجلة”. هذا ما قلته لنفسي. سلّمت ورقة التسجيل وخرجت.
كنت أظن بأن القصة تنتهي هنا. ولم أتوقع أن يتواصل معي أحد.
عرفت القانون حين كنت طفلة من أحد حلقات “افتح يا سمسم”، أذكر انداهشي حينها من شكل الآلة وعدد الأوتار، وشكل العازف وهو يجلس خلف الآلة، والموسقى التي خرجت بمجرد ضرب اصبعه على الوتر، كان الأمر أشبه بالسحر بالنسبة لي. لم أنسَ الحلقة بقيت في مكان ما في ذاكرتي، وبقي معها صوت الآلة.
بعد هذه الليلة بعدة أشهر جاءني اتصال من الأكاديمية لمقابلة التسجيل. كانت صدمتي ممزوجة بالبهجة. أذكر أنني حينها بُهرت بعدد الآلات الموسيقية، والموسيقى البعيدة خلف أبواب القاعات الدراسية. تلك الخطوات في ذلك الممر الطويل كانت حقيقة، ولم تكن حلماً.
كان الجلوس خلف القانون مهيباً، لم أتمكن من مقاومة فكرة اللعب بكل وتر، تلك الطفلة فيّ عادت من جديد، أنا أجلس خلف نفس الآلة التي يجلس خلفها ذلك الرجل الضخم في “افتح يا سمسم”. كنت متشوقة لكل معلومة، كأنني أتعلم لغة جديدة، أم لعله كذلك بالفعل. القانون، تفاصيله، أسماء أجزاءه، العِرب، قراءة النوتة، كل تلك الرموز وأسمائها الغريبة، الفرق بين القانون العربي والتركي، المقامات، ثم أول قطعة موسيقية.
كانت أول قطعة أعزفها لفيروز “سهرتنا ع دراج الورد”، تلتها ” أغنية “لسا فاكر”. أن تتمكن من عزف قطعة كاملة بنفسك شعور لا يمكن للحرف أن ينقله. أذكر بأني بعد أن تدربت على “لسا فاكر” حتى أجدت القطعة كاملة توقفت لوهلة. لم أصدق أن هذا اللحن كان نتيجة ضرب أصابعي على الأوتار. دمعت عيناي. كان الأمر أكبر من أن أحتمله، أكبر من أن أستوعبه، أكبر من قدرتي على التخيّل، ومقدرتي على التخيّل كبيرة. مازالت هذه الصدمة ترافقني بعد كل قطعة أتقنها.
توالت القطع بعدها، والتجارب الجديدة. كان الأمر بالنسبة لي وكأنني أكتشف مساحات من نفسي بعدسة تختلف عن تلك التي عهدتها. مساحات ما ظننت بأني سأعرفها يوماً لولا تعلّمي العزف.
اذكر مثلا أول تجربة عزف في الحفلة الطلابية، حيث يعزف كل طالب مع التخت الشرقي الذي يتكوّن من أساتذة الأكاديمية. عزفت أنا موشح “بالذي أسكر“. كنت مرتبكة من أن أخطئ على الرغم من أنني لا أهاب الوقوف أمام الناس والتحدّث مثلا. الحقيقة بأن وقع العزف الشخصي مع المجموعة مختلف على صعوبته. حتى وقع جلوسك أمام الجمهور كعازف -وليس أي شيء آخر- له هيبته. كأنك مسؤول عن خلق جمال ما، بهجة ما، بهجة لا يختلف الناس عليها.
كذلك تجربة اقتناء قانوني الخاص. شكله، لونه، والأهم وجوده معي كالملاذ من ضجة هذا العالم. وهو الصديق، لا يضاهي صداقته اللامشروطة سوى صداقة الكتب. حين اشتريته شبه مكتمل طلبت من الصانع أن يطبع عليه جملة “الغبطة المتصلة” كتبتها بيدي. كنت حينها عائدة من إسبانيا، قرأت هذه الجملة في قصر الحمراء، شدتني لأنها تكررت على أعمدة القصر مراراً. كأن الأندلسيون في ذلك الوقت يحتفلون بالسعادة ويحتفون بها، “لماذا توقفنا عن فعل ذلك الآن؟” سؤال جال في بالي حينها. هذا قانوني الآن اتخذته غبطتي المتصلة التي لن تنقطع.

الحق يقال بأن الموسيقى هي الخيار الأصيل الذي اخترته في حياتي هذه. لم يفرضها عليّ واقع، ولم أتعلمها لأنني لا أملك خيارات أخرى، بل هي شغف وجدني ووجدته، ولو أن لي أن أسمّي أمراً واحداً خرجت به في عمري سيكون العزف على آلة القانون.
ممتنة لكل لحظة، ممتنة للموسيقى -اللغة الجديدة التي تعلمتها-، ممتنة لأستاذي أستاذ توفيق ميرخان، ممتنة لصدفة تلك الليلة البعيدة.
