عن أيام المكتبة – 1

في زمن بعيد عن يومي هذا كنت كثيرة التردد إلى مكتبة الجامعة. مازلت أذكر لون المبنى المائل للصفرة، وزواياه المربعة الحادة حيث تختبئ مقاعد منسية حتى من موظفي المكتبة أنفسهم. النوافذ الدائرية الضخمة ونقوشها الهندسية التي تسمح لأشعة الشمس بالدخول بأشكال سداسيّة ملّونة. كانت تشدني الأدراج المهملة لبطاقات الكتب خلف الدرج الملتوي. هل يذكر بطاقات الكتب أحد اليوم؟ ولماذا كان درج المكتبة ملتوياً هكذا؟

كل شيء كان يقفز من ساعة زمنٍ هائلة. في كل مرة أدخل فيها المكتبة أشعر بأن قيامةً سرمديةً ما تحدث هناك. المبنى القديم المتهالك، الكتب القديمة التي يكاد لا يأتيها أحد. كل شيء بدا حيّا هناك، أكثر من العالم في الخارج. في أول مكان أتخذه ملاذاً غير البيت في حياتي.

كنت حينها مولعة بكتب التاريخ والشعر، أجلس على كرسي خمري اللون خلف أرفف قسم التاريخ لا يجلس عليه أحد لأنه في نهاية الجزء الشرقي من المبنى، كما أن أحداً لم يكن يبحث في كتب التاريخ إلا لماماً. كنت أجلس هناك لساعات، لا أسمع صوتاً ولا أرى أحداً. لم أكن من محبي ولا مستخدمي التكنولوجيا حينها، على الرغم من بساطتها مقارنة باليوم. لم يكن العالم متسعاً (على الأقل إلكتورنياً) كما هو الآن. لذلك كنت حرفيّا لا أملك سوى الكتب (ما أجملها من جملة حقيقةً). لم تكن الموبايلات الحديثة موجودة حينها، نوكيا لم يطوّر خاصيّة التصوير إلا بعد تخرجي، ولا أملك مع الأسف أي صورة من ذلك الزمن. لكن الصور تختبئ عندي في أغاني فيروز التي كنت أكتشفها حينها. بمجرد أن تبدأ “سحرتنا البسمات” أو “أهواك” اليوم، تقفز بين ناظريّ أرفف الكتب، ولون الشمس الساعة 1.25 ظهر يوم الاثنين عام 2004، رائحة عطر العنبر لجدتي العالق بملابسي لأنني كنت أشاركها الغرفة (لم نكن نرتدي العباءات السود وقتها داخل الحرم الجامعي)، موعد مسلسل حاتم علي الساعة السادسة مساءاً، وعينا تيم حسن. كيف تختبئ كل هاته التفاصيل في صوت فيروز؟ هل تعلم فيروز ذلك؟ ولماذا كنت أحب أغاني زكي ناصيف لها تحديداً؟ على الرغم من أنني عرفته متأخراً، بعد تخرجي بسنوات. هل كانت صدفة؟

كنت أعشق كتب التراث، الشعراء والبخلاء وقصص الأعراب والجواري والنسّاك والزنادقة. كنت ألتهم الديوان تلو الآخر، ابن خفاجة، ابن زيدون، المتنبي طبعا، أبو العتاهية (كنت مشدودة لفكرة الزهد وقتها)، البحتري، أبو نواس، المعري، ثم الكتب التي تجمع الشعر كجواهر الأدب مثلا. كنت أتصفح كتب العمارة الأندلسية واحفظ أسماء المدن والمباني حتى أزورها في يوم ما. خططت لرحلة اسبانيا كاملة في ذلك الوقت، زرتها بعدها بسنوات عام 2014. كنت أحفظ تريخها كله في زيارتي تلك.

أذكر اليوم الطريف الذي قررت أن أقرأ فيه كتاب ألف ليلة وليلة، لم أكمل القراءة ولم أكن حقيقة مهتمة به لولا الفضول بسبب كل ما سمعته عنه. كانت النسخة غير منقحة، كنت أقرأ الفقرة ثم أُصدم من المكتوب وتحمر وجنتاي ثم اتلفت إن كان يراني أحد. لم يأتِ بعد هذه الصدمة الطريفة إلا صدمة المباشرة في تفاصيل “الخبز الحافي” بعدها بسنوات قليلة. أبتسم اليوم من سذاجتي في ذلك العمر.

لسبب ما كذلك كنت أقرأ للمستشرقين والاستشراق، ومن يرد عليهم. أظن بأنها حزمة تأتي جملة واحدة لتكمل اهتماماتي. خصوصاً بأني كنت أحلم بأن أتخصص في التاريخ، ولم أفعل. لكنني أفعلها اليوم بعد مرور كل هذا الوقت. وكأن تلك الفترة الزمنية هي المخزون الذي أعود إليه، والذي شكّلني من حيث لا أعلم والذي ما يزال يرعاني لليوم.

أذكر هذه الأيام الآن وأعرف بأنها أصفى أيام عمري، كصفاء نور الشمس المتكسر والدافئ من تلك النوافذ. المبنى مايزال موجوداً اليوم إلا أنه تحوّل لمكاتب إدارية. تحول ككل شيء آخر عرفته في هذه المدينة. عُدت إليه مؤخراَ، كان شعور التبلد هو الجاثم على قلبي، كأنني تعودت خذلان المدينة لي، تعودت على عبثها بذاكرتي. كأن أحداث الذاكرة حصلت في حياة موازية، ليست هي الحياة هذه. وعليّ إن أردت العودة للمكان أن أعود لتلك الحياة الموازية. بالأمس قالت لي صديقتي بأنني “سنتيمنتالية جداً”، ربما أكون كذلك حقاً، أم لعله الواقع دفعني لذلك؟

لم أتصور يوماً حين كنت أجلس على ذلك الكرسي الخمري اللون بأنني سأعمل بعدها بسنوات في مكتبة. سأكتب عن تجربتي هذه قريباً، حينما يسعفني ما بقي لي من حياد تجاه تجاربي المهنية.

الغبطة المتصلة

لا أذكر كم مرة كتبت هذا المنشور، كل مرة بشكل مختلف وفي كل مرة أحذف ما كتبت. بل كدت التوقف عن كتابته كلّيا لولا شعوري بأن كل هذه المحاولات لابد أن تخرج بشيء ما. كنت أتساءل، كيف يمكن لأحد أن يكتب عن الموسيقى؟ هل من الممكن ذلك حقاً؟ الحقيقة أني لا أعلم، لكني أحاول على الرغم من أنني لم أكتب من قبل عن تجربتي مع العزف. ولا أعلم لمَ. الأمر بالنسبة لي وكأنني أترجم لغةً إلى لغةٍ أخرى، أو ربما لأني نادراً ما أشارك لحظات سعادتي مع أحد، وكأنني أخاف عليها من السرقة والتشويه.

لا أصدق بأن تسع سنواتٍ مرّت. أذكر الليلة التي سجلت فيها لتعلّم العزف على آلة القانون بكل تفاصيلها. كانت ليلة عادية جداً لولا الصدفة البحتة. كان ذلك في شتاء 2013. كنت أمر من مبنى أكاديمية الموسيقى، ولم أكن قد سمعت عنها من قبل. أذكر بأني دخلت المبنى من باب الفضول فقط، لأجد التسجيل متاح لمن يرغب في ذلك. لم أفكر حينها، قرأت المطلوب وسجلت من باب الدعابة. كنت أقول في نفسي “كيف لي أن أتعلّم العزف وأنا في السابعة والعشرين؟”. مازلت أذكر موظفة الاستقبال ليلتها، سألتني عن الآلة التي أرغب بتعلّمها، أجبت بدون تردد: القانون. ردّت بأن القائمة طويلة، وبأنني سأكون ضمن قائمة الانتظار. “وما عليّ أن أنتظر، فلينضم هذا الحلم إلى قائمة الأحلام المؤجلة”. هذا ما قلته لنفسي. سلّمت ورقة التسجيل وخرجت.

كنت أظن بأن القصة تنتهي هنا. ولم أتوقع أن يتواصل معي أحد.

عرفت القانون حين كنت طفلة من أحد حلقات “افتح يا سمسم”، أذكر انداهشي حينها من شكل الآلة وعدد الأوتار، وشكل العازف وهو يجلس خلف الآلة، والموسقى التي خرجت بمجرد ضرب اصبعه على الوتر، كان الأمر أشبه بالسحر بالنسبة لي. لم أنسَ الحلقة بقيت في مكان ما في ذاكرتي، وبقي معها صوت الآلة.

بعد هذه الليلة بعدة أشهر جاءني اتصال من الأكاديمية لمقابلة التسجيل. كانت صدمتي ممزوجة بالبهجة. أذكر أنني حينها بُهرت بعدد الآلات الموسيقية، والموسيقى البعيدة خلف أبواب القاعات الدراسية. تلك الخطوات في ذلك الممر الطويل كانت حقيقة، ولم تكن حلماً.

كان الجلوس خلف القانون مهيباً، لم أتمكن من مقاومة فكرة اللعب بكل وتر، تلك الطفلة فيّ عادت من جديد، أنا أجلس خلف نفس الآلة التي يجلس خلفها ذلك الرجل الضخم في “افتح يا سمسم”. كنت متشوقة لكل معلومة، كأنني أتعلم لغة جديدة، أم لعله كذلك بالفعل. القانون، تفاصيله، أسماء أجزاءه، العِرب، قراءة النوتة، كل تلك الرموز وأسمائها الغريبة، الفرق بين القانون العربي والتركي، المقامات، ثم أول قطعة موسيقية.

كانت أول قطعة أعزفها لفيروز “سهرتنا ع دراج الورد”، تلتها ” أغنية “لسا فاكر”. أن تتمكن من عزف قطعة كاملة بنفسك شعور لا يمكن للحرف أن ينقله. أذكر بأني بعد أن تدربت على “لسا فاكر” حتى أجدت القطعة كاملة توقفت لوهلة. لم أصدق أن هذا اللحن كان نتيجة ضرب أصابعي على الأوتار. دمعت عيناي. كان الأمر أكبر من أن أحتمله، أكبر من أن أستوعبه، أكبر من قدرتي على التخيّل، ومقدرتي على التخيّل كبيرة. مازالت هذه الصدمة ترافقني بعد كل قطعة أتقنها.

توالت القطع بعدها، والتجارب الجديدة. كان الأمر بالنسبة لي وكأنني أكتشف مساحات من نفسي بعدسة تختلف عن تلك التي عهدتها. مساحات ما ظننت بأني سأعرفها يوماً لولا تعلّمي العزف.

اذكر مثلا أول تجربة عزف في الحفلة الطلابية، حيث يعزف كل طالب مع التخت الشرقي الذي يتكوّن من أساتذة الأكاديمية. عزفت أنا موشح “بالذي أسكر“. كنت مرتبكة من أن أخطئ على الرغم من أنني لا أهاب الوقوف أمام الناس والتحدّث مثلا. الحقيقة بأن وقع العزف الشخصي مع المجموعة مختلف على صعوبته. حتى وقع جلوسك أمام الجمهور كعازف -وليس أي شيء آخر- له هيبته. كأنك مسؤول عن خلق جمال ما، بهجة ما، بهجة لا يختلف الناس عليها.

كذلك تجربة اقتناء قانوني الخاص. شكله، لونه، والأهم وجوده معي كالملاذ من ضجة هذا العالم. وهو الصديق، لا يضاهي صداقته اللامشروطة سوى صداقة الكتب. حين اشتريته شبه مكتمل طلبت من الصانع أن يطبع عليه جملة “الغبطة المتصلة” كتبتها بيدي. كنت حينها عائدة من إسبانيا، قرأت هذه الجملة في قصر الحمراء، شدتني لأنها تكررت على أعمدة القصر مراراً. كأن الأندلسيون في ذلك الوقت يحتفلون بالسعادة ويحتفون بها، “لماذا توقفنا عن فعل ذلك الآن؟” سؤال جال في بالي حينها. هذا قانوني الآن اتخذته غبطتي المتصلة التي لن تنقطع.

الحق يقال بأن الموسيقى هي الخيار الأصيل الذي اخترته في حياتي هذه. لم يفرضها عليّ واقع، ولم أتعلمها لأنني لا أملك خيارات أخرى، بل هي شغف وجدني ووجدته، ولو أن لي أن أسمّي أمراً واحداً خرجت به في عمري سيكون العزف على آلة القانون.

ممتنة لكل لحظة، ممتنة للموسيقى -اللغة الجديدة التي تعلمتها-، ممتنة لأستاذي أستاذ توفيق ميرخان، ممتنة لصدفة تلك الليلة البعيدة.

إلى أستاذ توفيق ميرخان
أستاذ بيان رضا
أستاذ عيسى بولص

عن مسرحية “زكريا حبيبي”

“لسنا أكثر من وهم”

أظنها الصدفة اللطيفة وحدها التي قادتني وأنا أقلّب اليوتيوب إلى مسرحية “زكيا حبيبي”. تبِع هذه الصدفة بعض الاستغراب. المسرحية من إخراج المسرحي عبد الرحمن المناعي، لكنها لم تكن من تأليفه بل من تأليف الكاتب ناجي الحاي، وهو أمر غير معتاد لمن يعرف أعمال المناعي، فأغلب مسرحياته من تأليفه هو. كما أن المسرحية لم تُقدّم على مسرح، بل في بيت شعبي”بيت السليطي”، وقد جلس الجمهور من حول الممثليّن ومعهم. استنتجت بأن موضوع المسرحية لم يكن تراثياً -بطبيعة حال مكان العرض- بل معاصرًا، والتراث موضوع المناعي ولعبته التي برع فيها.

هكذا بدت لي المسرحية، ولهذا قررت المشاهدة للنهاية.

لن أسرد أحداث المسرحية، لكنها مسرحية من مشهد واحد طويل لحوار يتصاعد بين زوجين؛ زكريا (علي سلطان) رجل متقاعد يجلس بعد كل هذه السنوات في البيت، فارغاً من كل شيء. زليخة (سعاد علي) شبه ضريرة تشتكي ضيقها من زوجها زكيا، ومن تكراره لقصصه وبطولاته الزائفة وعمله وتدرجه الوظيفي وكفاحه، وتطلب منه طوال المسرحية أن يسكت، لكنه لا يكاد يفعل.

في البداية شدتني اللهجة وعفوية الحوار، وكل المفردات المحلية التي بدأت تختفي في أيامنا هذه. كان الممثلان يتحركان في حوش البيت وبين الجمهور بخفة بارعة. أظن بأنني لو كنت مكان الممثلة لانفجرت ضحكاً وسط الجمهور. كان النصف الأول من المسرحية كوميدياً على أية حال، على الرغم من أن الحوار قد بدأ يتحوّل إلى جدال، خصوصًا بعد أن تبدأ زليخة برواية قصتها هي.

أمّا في النصف الثاني من المشهد الطويل، ترمي المسرحية في وجهك وابلاً من الأسئلة الوجودية. هل نختار حياتنا فعلاً؟ هل كانت ذكرياتنا سعيدة أو تعيسة حقاً؟ هل نحن وهم؟ لو عاد بنا الزمن هل ستختلف خياراتنا؟ كيف أصبحنا رهائن الاستسلام المُطلق للصُدف والعبث؟

نَخلُصُ نحن المتفرجين إلى أن تفاصيل حياتيّهما الحزينة منها، والمملة والسعيدة، ما هي إلا اجترار متعثر لحياة مرّت، لعلهما لم يخططا لها ورضيا بها على أية حال.

أحسب أن الجمهور وُزّع بهذه الطريقة حتى يكون جزءاً من هذه التساؤلات. أنت (المشاهد) لست بعيدًا عن الحدث، بل أنت الحدث نفسه.

ولا أحد بريء.

لم تكن الكوميديا في المسرحية إلا سخرية من تراجيديا مريرة، وتساؤلات موحشة.

صحيح بأن النهاية جاءت مهادنة لتقول بأن الانسان يختار بحسب وهمه، وربما لو انكشفت له أمور (أو كشفها لنفسه) لاختار حياته ذاتها.

لكن هذه الانفراجة – ربما – لا تريح الجميع.

الحقيقة بأن اختيار الممثلين كان مميزًا وخادعًا. علي سلطان وسعاد علي فنانَين عُرفا بالأدوار الكوميدية عمومًا، توقعت بأن المسرحية ستكون كوميدية للنهاية، ولكنها لم تكن كذلك. وقد مثّلت سعاد علي الشخصية بشكل بسيط وانتقال سلس بين تصوير حزن زليخة وحسرتها وتعليقاتها المضحكة والساخرة من زوجها زكريا. أما علي سلطان فقد جاء تمثيله عفويًا، أظن أنه كان يرتجل بعض الأحيان، وكنت أتمنى لو أنه لم يفعل.

—————–

المسرحية عُرضت عام 2000، واحد وعشرون عاماً مضت لكن المسرح عاد للوراء، لوراءٍ غريبٍ.

“زكريا حبيبي” جاءت نتاج تراكم لتجربة شخصية وجماعية للمسرح، من يصدق بأن موضوعًا كهذا يطرح، وأن هذه التساؤلات كانت موجودة دائمًا. وأن هذا النوع من المسرح له مريدون ومتفرجون.

ومن يصدق بأن المسرح كان ينزل للناس ويمشي بينهم.

أنا لا أستطيع إخفاء حسرتي على انعدام التراكم في التجارب الإبداعية الثقافية. فلا هذه التجارب أنتجت أنماطًا جديدة للإبداع الثقافي ولا هي بقيت في الذاكرة. ولو أن المسرحية -وغيرها من النتاج الثقافي- لم تتوفر على الانترنت لذهبت كأنها لم تكن.

تبقى هذه المسرحية على بساطتها نموذجًا لقالب مختلف أضاف لتجربة المناعي، كما أنها بالمقابل إضافة لما كان عليه المسرح في فترة ما، فترة ولّت ولا أظن بأنها تعود.

يُحسب للمناعي بأنه مؤرشف جيد لذاته (وذواتنا بالتوازي)، فهو يوفر أغلب مسرحياته مع نصوصها على اليوتيوب.

وهذا رابط المسرحية.