“لسنا أكثر من وهم”
أظنها الصدفة اللطيفة وحدها التي قادتني وأنا أقلّب اليوتيوب إلى مسرحية “زكيا حبيبي”. تبِع هذه الصدفة بعض الاستغراب. المسرحية من إخراج المسرحي عبد الرحمن المناعي، لكنها لم تكن من تأليفه بل من تأليف الكاتب ناجي الحاي، وهو أمر غير معتاد لمن يعرف أعمال المناعي، فأغلب مسرحياته من تأليفه هو. كما أن المسرحية لم تُقدّم على مسرح، بل في بيت شعبي”بيت السليطي”، وقد جلس الجمهور من حول الممثليّن ومعهم. استنتجت بأن موضوع المسرحية لم يكن تراثياً -بطبيعة حال مكان العرض- بل معاصرًا، والتراث موضوع المناعي ولعبته التي برع فيها.
هكذا بدت لي المسرحية، ولهذا قررت المشاهدة للنهاية.
لن أسرد أحداث المسرحية، لكنها مسرحية من مشهد واحد طويل لحوار يتصاعد بين زوجين؛ زكريا (علي سلطان) رجل متقاعد يجلس بعد كل هذه السنوات في البيت، فارغاً من كل شيء. زليخة (سعاد علي) شبه ضريرة تشتكي ضيقها من زوجها زكيا، ومن تكراره لقصصه وبطولاته الزائفة وعمله وتدرجه الوظيفي وكفاحه، وتطلب منه طوال المسرحية أن يسكت، لكنه لا يكاد يفعل.
في البداية شدتني اللهجة وعفوية الحوار، وكل المفردات المحلية التي بدأت تختفي في أيامنا هذه. كان الممثلان يتحركان في حوش البيت وبين الجمهور بخفة بارعة. أظن بأنني لو كنت مكان الممثلة لانفجرت ضحكاً وسط الجمهور. كان النصف الأول من المسرحية كوميدياً على أية حال، على الرغم من أن الحوار قد بدأ يتحوّل إلى جدال، خصوصًا بعد أن تبدأ زليخة برواية قصتها هي.
أمّا في النصف الثاني من المشهد الطويل، ترمي المسرحية في وجهك وابلاً من الأسئلة الوجودية. هل نختار حياتنا فعلاً؟ هل كانت ذكرياتنا سعيدة أو تعيسة حقاً؟ هل نحن وهم؟ لو عاد بنا الزمن هل ستختلف خياراتنا؟ كيف أصبحنا رهائن الاستسلام المُطلق للصُدف والعبث؟
نَخلُصُ نحن المتفرجين إلى أن تفاصيل حياتيّهما الحزينة منها، والمملة والسعيدة، ما هي إلا اجترار متعثر لحياة مرّت، لعلهما لم يخططا لها ورضيا بها على أية حال.
أحسب أن الجمهور وُزّع بهذه الطريقة حتى يكون جزءاً من هذه التساؤلات. أنت (المشاهد) لست بعيدًا عن الحدث، بل أنت الحدث نفسه.
ولا أحد بريء.
لم تكن الكوميديا في المسرحية إلا سخرية من تراجيديا مريرة، وتساؤلات موحشة.
صحيح بأن النهاية جاءت مهادنة لتقول بأن الانسان يختار بحسب وهمه، وربما لو انكشفت له أمور (أو كشفها لنفسه) لاختار حياته ذاتها.
لكن هذه الانفراجة – ربما – لا تريح الجميع.
الحقيقة بأن اختيار الممثلين كان مميزًا وخادعًا. علي سلطان وسعاد علي فنانَين عُرفا بالأدوار الكوميدية عمومًا، توقعت بأن المسرحية ستكون كوميدية للنهاية، ولكنها لم تكن كذلك. وقد مثّلت سعاد علي الشخصية بشكل بسيط وانتقال سلس بين تصوير حزن زليخة وحسرتها وتعليقاتها المضحكة والساخرة من زوجها زكريا. أما علي سلطان فقد جاء تمثيله عفويًا، أظن أنه كان يرتجل بعض الأحيان، وكنت أتمنى لو أنه لم يفعل.
—————–
المسرحية عُرضت عام 2000، واحد وعشرون عاماً مضت لكن المسرح عاد للوراء، لوراءٍ غريبٍ.
“زكريا حبيبي” جاءت نتاج تراكم لتجربة شخصية وجماعية للمسرح، من يصدق بأن موضوعًا كهذا يطرح، وأن هذه التساؤلات كانت موجودة دائمًا. وأن هذا النوع من المسرح له مريدون ومتفرجون.
ومن يصدق بأن المسرح كان ينزل للناس ويمشي بينهم.
أنا لا أستطيع إخفاء حسرتي على انعدام التراكم في التجارب الإبداعية الثقافية. فلا هذه التجارب أنتجت أنماطًا جديدة للإبداع الثقافي ولا هي بقيت في الذاكرة. ولو أن المسرحية -وغيرها من النتاج الثقافي- لم تتوفر على الانترنت لذهبت كأنها لم تكن.
تبقى هذه المسرحية على بساطتها نموذجًا لقالب مختلف أضاف لتجربة المناعي، كما أنها بالمقابل إضافة لما كان عليه المسرح في فترة ما، فترة ولّت ولا أظن بأنها تعود.
يُحسب للمناعي بأنه مؤرشف جيد لذاته (وذواتنا بالتوازي)، فهو يوفر أغلب مسرحياته مع نصوصها على اليوتيوب.
وهذا رابط المسرحية.
